محمد بن جرير الطبري
117
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
* ( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين ) * . يقول تعالى ذكره : وكم أهلكنا من قرية أبطرتها معيشتها ، فبطرت ، وأشرت ، وطغت ، فكفرت ربها . وقيل : بطرت معيشتها ، فجعل الفعل للقرية ، وهو في الأصل للمعيشة ، كما يقال : أسفهك رأيك فسفهته ، وأبطرك مالك فبطرته ، والمعيشة منصوبة على التفسير . وقد بينا نظائر ذلك في غير موضع من كتابنا هذا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 20978 - حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها قال : البطر : أشر أهل الغفلة وأهل الباطل والركوب لمعاصي الله ، وقال : ذلك البطر في النعمة فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا يقول : فتلك دور القوم الذين أهلكناهم بكفرهم بربهم ومنازلهم ، لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ، يقول : خربت من بعدهم ، فلم يعمر منها إلا أقلها ، وأكثرها خراب . ولفظ الكلام وإن كان خارجا على أن مساكنهم قد سكنت قليلا ، فإن معناه : فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا منها ، كما يقال : قضيت حقك إلا قليلا منه . وقوله : وكنا نحن الوارثين يقول : ولم يكن لما خربنا من مساكنهم منهم وارث ، وعادت كما كانت قبل سكناهم فيها ، لا مالك لها إلا الله ، الذي له ميراث السماوات والأرض . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) * . يقول تعالى ذكره : وما كان ربك يا محمد مهلك القرى التي حوالي مكة في زمانك وعصرك . حتى يبعث في أمها رسولا يقول : حتى يبعث في مكة رسولا ، وهي أم القرى ، يتلو عليهم آيات كتابنا ، والرسول : محمد ( ص ) . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :